تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٠٤ - تتمة
و السبب الثاني لقوة المحبة قوة المعرفة للّه تعالى و اتساعها و استيلاؤها على القلب، و ذلك بعد تطهيره من الشواغل و هي بمنزلة وضع البذر في الأرض بعد تطهيرها من الحشيش، فيتولد من هذا البذر شجرة المحبة و المعرفة، و هي الكلمة الطيبة التي ضرب اللّه لها مثلا في قوله: أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَ فَرْعُها فِي السَّماءِ [١٤/ ٢٤] و إليه الإشارة بقوله: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [٣٥/ ١٠] فهي المعرفة، نعم و العمل الصالح يرفعه و يحركه، و لذلك قال:
جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ [٣٢/ ١٧] لأن العمل الصالح كالحامل (كالخادم- ن) له، و إنما فائدة العمل كله في تطهير القلب أولا من الدنيا ثم في إدامة طهارته، و أصل الطهارة و الصفاء لكونه أمرا عدميا لا يراد لنفسه بل لهذه المعرفة، و كذا العلم المتعلق بكيفية العمل يراد للعمل، فالعلم هو الأول و الآخر.
تتمة
الواصلون إلى هذه النعمة العظيمة ينقسمون إلى الأقوياء و الضعفاء، فالسابقون الأولون هم الذين درجتهم درجة العقول القادسة و الملائكة المهيمة، أول معرفتهم للّه تعالى و به يعرفون غيره، و إليه الإشارة بقوله تعالى: أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [٤١/ ٥٣] و بقوله: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ [٣/ ١٨].
و منه نظر بعضهم حيث قيل له: بم عرفت ربك؟ فقال: عرفت ربي بربي، و لو لا ربي ما عرفت ربي.
و اللاحقون التالون هم الذين درجتهم درجة النفوس الكلية و الملائكة المدبرة، فيكون أول معرفتهم بالأفعال، ثم يترقون منه إلى صفات اللّه، ثم إلى ذاته، فاللّه سبحانه غاية أفكارهم كما ان اللّه فاعل أفكار الأولين، و إلى هؤلاء الإشارة بقوله:
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُ [٤١/ ٥٣] و بقوله: أَ وَ لَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ [٧/ ١٨٥] و بقوله: قُلِ